نشر في: 12 August 2017
| Print |

د. عودة أبودرويش: بطّيخة الجدار الفاصل

الإسراء نيوز - دخلت تعديلات جديدة على حوشنا مثل أيّ حوش في المدينة ، فقد بدأ استعمال  طوب

الإسمنت في البناء بدلا من طوب الترابالممزوج بالتبن . وكانت الغرف المبنيّة من الطين

 تصّف بجانب بعضها و تطّل جميعها على الحوش . بدأأبي يفكّر جديّا في اضافة غرفة من

الاسمنت تكون قريبة من المدخل لاستعمالها غرفةلاستقبال الضيوف ، لأنّا كنّا نستقبلهم في

الغرفة الكبيرة ، التي كان لا بدّ مناستعمالها للنوم بعد أن أصبح عدد ساكني الحوش كبيرا

 . أنهى البنّاء الذي على ما يبدو كان قد تعلّمصنعة بناء الطوب الإسمنتي حديثا  ،

لأنّهكان يردد أن عدم انتظام تربيع الغرفة تخفيه الكسارة ، التي كنت أظنّها أداة ما.

بعد اتمام بناء الغرفة كان لا بدّ منبناء جدار من طوب الإسمنت يفصل الغرفة الجديدة عن

باقي غرف الحوش الطينيّة ، لنهيّئهالاستقبال الضيوف. 

       لا أعلم من الذي فكّر بطلاء الجدار قبل أنتتمّ كسارته بالإسمنت ، لكنّ أحد ما

طلاه باللون الأخضر ، وكانت كلّ جدران البيتوالغرف مطليّة بالشيد الأبيض ، لذلك كنّا

نسميّه الجدار الفاصل أو الجدار الأخضرلنميّزه عن الجدار الذي يفصل بين حوشنا والحوش

المجاور . كان لوجود الجدار فوائدكثيرة ، منها ربط حبال الغسيل ، وتشميس فراش النوم

والأغطية بعد أيّام الشتاءالباردة لطرد الحشرات المرئيّة وغير المرئيّة ، والاختباء

وراءه في لعبة الاختباء المفّضلة لنا نحن الصغار . و يستخدم فيليالي الصيف ليوضع عليه

الوعاء الذي فيه البطّيخ كي يبرد ، لأنّ تكنولوجياالثلّاجة لم تكن قد دخلت بيتنا.

     أحضر أبي بطّيخة كبيرة ، من البطّيخ الذي كانت الأرض تنتجه من دون سماداصطناعي،

حلو مثل السكّر وقلبه أحمر وبزره أسود لا يرمي الناس منه شيئا ، بليتسلّون عليه بعد

تحميصه  . كالعادة قشّرتأمّي البطيخة وقطّعتها ووضعتها في وعاء مسطّح ، ثمّ رفعتها على

الجدار الفاصل منأجل أن تبرد . كالعادة بعد العشاء  يجتمعأفراد العائلة  لأكل البطّيخ،

مع خبزالطابون الذي تكون جدّتي قد خبزته في الصباح ، وأحيانا مع الجبنة البيضاء. كنّا

نلعب في الحوش ونركض ونختبأ خلف الجدارالأخضر . لم أستطع أن أقاوم اغراء قطع البطّيخ

الحمراء ، خصوصا وأنّي كنت بحاجةلشيء يروي عطشي ، فقلت لنفسي ان أكلت قطعة واحدة فلن

يلاحظ ذلك أحد ، أحضرت كرسيّوتناولت واحدة ولم أنتبه الى أنّ أخي كان  يراقبني.

      أكل أخيأيضا قطعة ، ثمّ ألتهمنا الثانية وكنّا نختارها من وسط الوعاء. تبادلنا

النظرات بعد أن أصبح  معظم البطّيخة في بطوننا . احسسنا بأنّ العقابلا بدّ سيكون هذه

الليلة شديدا . اجتمع أفراد العائلة بجانب الجدار الفاصل. شعرت برعشةفي قدميّ . سألت

أبي فجأة ، هل صحيح أنّ للبطّيخ مضار كثيرة ، أكثر من فوائده ياأبي . قال أبي مستغربا

ومن الذي يقول ذلك . أجبت وبدون تردد ، وقد نسيت أننا فيالعطلة الصيفيّة ،  المعلّم في

المدرسة ياأبي يقول أننا نقشّر البطيّخ ونقّطعه ثم نضعه مكشوفا في الهواء لفترة طويلة

،فتهبط عليه الحشرات وتنقل اليه الأمراض التي تتسبب في آلام شديدة للإنسان الذييأكله ،

و انّ من يأكله بعد العشاء سيقلق في منامه وسيحلم أحلاما مزعجه.

       أشار أبي بيده لأمّي من دون أن تؤثّر كلماتي فيه . قامت أمّي لتتناول

وعاءالبطّيخ . أحسّت بأنّه خفيف واكتشفت سريعا خطيئتنا . نظرت الّيّ وقالت وهي تشفق

عليّمن العقاب ، لا بدّ أنّ كلام المعلّم صحيحا ، لذلك لن آكل البطّيخ . وضعت

الوعاءسريعا ، حضنتني لتحميني من عقاب أبي الذي عدّل جلسته وابتسم ، ولكنّ باقي

أفرادالعائلة لم يغفروا لي ولا لأخي  ، لأننا لمنتذكّر مضار البطّيخ الّا بعد أن أكلناه.



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

Add comment

  1. اخر التحديثات
  2. الاكثر قراءة