نشر في: 10 October 2017
| Print |

أديب السعدي: مدرسة الزَّعْفَرَانِة ((4))

الإسراء نيوز – خاص - وَصَلْتُ المدرسة قبل قرعِ الجرسِ، وانتظرتُ حتى حضر المدير والمعلِّم الآخر، ثُمَّ قُرِعَ الجرس، واصطف التلاميذ والتلميذات لتحيَّة العَلَمِ وأداء النَّشيد الوطني، ثُمَّ دخلوا صُفوفهم. هَلْ قُلتُ صفوفهم!؟ عُذرا، لم تكُن هناك غير غرفتان صفيَّتان، واحدة تحوي الصفوف الأول والثاني والثَّالث، والأخرى تحوي الصفوف الرَّابع والخامِس والسَّادِس، كما ذَكَرْتُ في حلقة سابقة.

حاوَلَ المُدير أن يُفهمني بأنني سأدرِّس المواد العِلمية والتربية المِهنية والتربية الفنِّية إضافة إلى اللغة الإنجليزية، حيث كان تخصُّصَه هو اللغة العربية وتخصُّص المعلم الآخر التَّربية الاسلامية.

اعترضتُ على تدريس أية مادة غير اللغة الإنجليزية - مجال تخصصي- وأخبرته بأنه كيف أدرِّس الرِّياضيات وأنا قد نسيتُ جدول الضَّرب. فأخبرني بأن لا مناص لي، فأنا أحمل درجة البكالوريوس وهو والمعلِّم الآخر يحملان درجة الدبلوم من معهد المُعلِّمين، وبأنني أكبر سِنا منهما وأكبر تجربة في الحياة. وأخيرا قبِلتُ ذلك مِن باب تحدِّي الذَّات.

دخلتُ على الطُّلاب وسلَّمتُ عليهم، وصافحت الأولاد مِنهم، فردُّوا علي السَّلام وصافحوني بابتسامات عريضة وفرحٍ كبير؛ وصِرتُ أنظر إليهم مليَّا، فشعرتُ نحوهم شعورا أبويَّا، كيفَ لا وقد كان عندي حينها ستة أطفال، ثلاثُ بناتٍ وثلاثة بنين – أي نصف عدد تلاميذ وتلميذات المدرسة! وقررتُ أن أبذل لهم قصارى جهدي وأن أعاملهم كما أعامل أطفالي، وكما أحب أن يتعامل المعلمون الآخرون مع أطفالي في مدارسهم.

لَم تكُن لديَّ تجربة سابقة أو إعداد سابق للتَّعليم، وكانت المناهج جديدة بالنِّسبة لي، لذلك كُنتُ آخذ الكُتُب معي إلى بيتي في إربد لكي أَدْرُسَها وأفهمها، لأقوم بتدريسها في اليَّوم التالي.

كانت مُشكلة المشاكل بالنسبة لي هي مادة الرِّياضيَّات، فأنا فِعلا كنتُ قد نسيت جدول الضَّربِ والعمليات الحِسابيَّة الأخرى، فكيف سأُدَرِّسَها للصَّف السَّادس مثلا؟! لذلك طلبتُ مِن زوجتي – جَزاها الله خيرا – أن تُدَرِّسني تِلكَ المادة، حيث أنها كانت حاصلة على شهادة التوجيهي الفرع العلمي، وكان مستواها قويا جدا في الرِّياضيات. وهكذا كُنتُ تِلميذا في البَّيت، ومعلِّما في المدرسة. وأصدُقُكُم القول أن مستوى التَّلاميذ في نهاية العام كان جيِّدا جدا، ولم يلاقوا أية مشاكل في المدارس التي انتقلوا إليها لإكمال دراستهم، حيث كان الصَّف السَّادس هو أعلى صف في مدرستنا.

ولا أخفي عليكم أنه كانت لخبرتي السَّابقة مترجما وكذلك لثقافتي العَّامة الواسعة أثرا إيجابيَّا كبيرا على مِهنتي معلِّما، واتضح ذلك في تدريسي فيما بعد للغة العربية والتربية الإسلامية والاجتماعيات (تاريخ وجغرافيا وتربية وطنية).

وهكذا مضت الأيَّام، صعبة مِن نواحٍ كثيرة، لكن محبَّة التلاميذ – بنين وبنات - كانت تُخِّفف عنِّي تِلكَ الصُّعوبة، وفوق كُلِّ ذلك أنني نويتُ أن يُكون عملي قُربة لله سبحانه وتعالى.



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

Add comment

  1. اخر التحديثات
  2. الاكثر قراءة