نشر في: 09 November 2017
| Print |

أديب السعدي: مدرسة الزَّعْفَرَانِة ((11))

الإسراء نيوز – خاص - تأبى ذكرياتُ مدرسة الزَّعفرانِه أن تُغادر مُخيِّلتي، فهي على صِغَرِ حجمها وقلَّةِ عدد تلامذتها وتلميذاتها شَكَّلَتْ تغييرا نوعيَّا في مسيرة حياتي كُلِّها،

فمن رئيسِ مترجمينَ في أكبر شركة صانعة للطائرات في العالم، إلى معلِّم لغة إنجليزيَّة وهو أمرٌ لم أكن مستعدا له لا مهنيَّا ولا نفسيَّا، فاعتَبَرْتُه تحديَّا آليتُ على نفسِّي أن أتصدى له بإخلاص مُستعينا بالله ربِّي العظيم،

صحيح أن تلك المدرسة لم تكُن بحجم أو بسُمعة مدارس كبيرة كاليوبيل أو التميُّز، ولكن الإنسان يبقى هو الإنسان،

إذن لا زالت في نفسي أشياء كثيرة أودّ أن أقولها عن تلك المدرسة الصَّغيرة بعدد غرفها وتلامذتها، الكبيرة بأولئك البسطاءِ المحبينَ فيها.

بعد انقضاء الشَّهر الأول من التَّدريس طَلَبَ منِّي مُدير المدرسة أَنْ أختبر التَّلاميذ، فأعددت امتحانات للصُّفوف التي أدرِّسها، ولمَّا امتحنتهم وصححتُ أوراقهم قدَّمتُ النَّتائج التي حصلوا عليها إليه،

تفاجأتُ أنَّه رفض تلكَ النَّتائج وطلب منِّي إعادة الامتحانات، ولمَّا سألتُهُ عن السَّبب، قال لي بأن نسبة الرُّسوب عندي كانت عالية جدا، فنسبة الرسوب المقبولة في المدارس يجب أن تزِيدَ عن 5% (خمسة في المائة) من عدد تلاميذ الصَّف، ولمَّا كان عدد تلاميذ الصَّف الواحد في مدرستنا تلميذا أو اثنين، فذاك كان يعني أن لا رُسوب،

لم أقتنع وأخذتُ أجادله في الأمر، وكيف سَنُقَيِّمَ التَّلاميذ وكيف سنُفرِّق بين المُجِّد وبين المهمل! جادلني طويلا، ولمَّا وجدني غير مقتنعٍ، قال لي المثل الشَّعبي المعروف "إربُط الحصان موظع ما بقول لك صاحبه" أو اترك التَّعليم.

غضِبتُ وثُرتُ وصرختُ قهرا، فما فائدة الامتحانات إذن، وما هذه السِّياسة التَّربوية التي تَهضِم المُجِّد المُجتهد حقه وتساويه بالكسول!؟ وأنا عندما أغيِّر في نتائج الامتحانات فإنني سأكون مُزوِّرا كاذبا، وهما صفتان قبيحتان عِشتُ عُمري حريصا على أن لا أتصِف بهما!!!

أشفق عليَّ المُدير وحاول تهدِئتي وتطييبَ خاطري، فهدأتُ، ولكنَّ المرارة بقيت في حلقي ونفسي حتَّى تقاعُدي. وكان الأثر أن صِرتُ أكره الامتحانات وأقوم بها مُجبرا بل أحاول تجاهلها ما استطعتُ.

لاحَظَتْ عليَّ زوجتي- جزاها الله خيرا- تهرُّبي من إجراء الاختبارات، فكانت تحُثُّني على إجرائها وتقول لي بأن التَّلاميذ حتى المجدِّين منهم لا يدرُسون إلا إذا كانت هناك اختبارات،

كُنتُ أجري الاختبارت وأصححها بكُلِّ دِقَّة، ولا أقوم بذلك في المدرسة بل في البيت في محاولة أن أكون أكثر تركيزا حتى لا أظلم أحدا من تلامذتي، وحتى أستطيع التمييز بين واحد مُجِّد وآخر مهمل، وكم كان ذلك صعبا ومُرهقا للجسد وللعقل وللنفس، فأعان الله المعلِّمين والمعلِّمات وجزاهم خيرا.



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

Add comment