نشر في: 10 November 2017
| Print |

أديب السعدي: مدرسة الزَّعْفَرَانِة ((12))

الإسراء نيوز – خاص - ذاتَ يومٍ دعانا مُدير المدرسة لاجتماع، وأخبرنا بأن تلاميذ المدرسة لم يسافر أغلبهم إلى أبعد من مدينة المفرق -15 كيلومترا - من منازلهم، وأنَّه يفكِّر في القيام برحلة مدرسيَّة، ولكن ما يمنع ذلك هو التَّكاليف الماديَّة للرحلة، فعدد التلاميذ قليل ولا تغطِّي المبالغ التي يُمكِن أن تُوخذ منهم هذه التكاليف.

تدارسنا الأمر، وفي النِّهاية اتفقنا على أن نبحثَ مليَّا عن صاحب حافلة يرضى بأقل مبلغ ممكن، وأن يقوم كل واحد مِنَّا نحن الثلاثة (المدير والمعلِّم الثاني وأنا) بدفع مِثل ما يدفعه أي تلميذ وأن نقوم كذلك بتحمُّل مصاريف السَّائق المتعارف عليها. وأتفقنا على أن تكون الرِّحلة إلى الأغوار الوسطى والشَّمالية وأن تكون رحلة العودة مرورا بمدينة إربد.

عرضَ مُدير المدرسة الأمر على مُختار القرية يرحمه الله- وعلى أولياء أمور التَّلاميذ، وأخبرهم بالمبلغ الذي سيترتب دفعه عن كل تلميذ فوافقوا على ذلك، وبعدها قام المدير بإبلاغ التلاميذ – ذكورا وإناثا- عن الرِّحلة، فطار التَّلاميذُ فرحا.

في صباح اليوم الموعود، جاء التَّلاميذُ ولم يتخلَّف منهم أحد، وكلٌ قد أعدَّ زوادته، كانوا فرحين مستبشرين، كيف لا وهي الرِّحلة الأولى في تاريخ مدرستهم، وعندما انطلقتِ الحافلة كانوا صامتين مبهورين وإن كانت معالِم السُّرور تعلو ملامح وجوههم الحبيبة.

لم يُعجبني ذاك الصَّمت، وأنا الذي كنتُ في الرِّحلات المدرسيَّة والجامعية مِشعل نشاط وحيويَّة ومَرح؛ فصِحتُ بهم مُشَجِّعَا، وبدأتُ التَّصفيق والغناء لهم- وكان بعض الأصدقاء –سامحهم الله- قد اتهموني بأن لي صوتا جميلا عذبا بل إن منهم من نصحني بأن أتركَ دراستي الجامعية وأتجِّه للغناء، والحمد لله أنني لم آخذ بنصيحته.

صُدِم التلاميذ! الأستاذ أديب يغنِّي ويمرح بل يشجِّعنا على الانطلاق!!! أمر لا يُصدَّق!!!

شرَحتُ له بأننا في رحلة، وأننا يجب أن نُعطي كل شيء حقَّه وأن لا نخلِط الأمور. ومن يُحِبني فعليه مُجاراتي. وما أن سمعوا ذلك حتى بدؤوا الغناء والمرح. ولم يتوقف الأمر عليَّ، بل كان مدير المدرسة – وكان صوته عذبا جدا- ينُشِدُ لهم.

وكُنَّا نشرحُ لهم عن الأماكن التي كُنَّا نمُرُّ بها وخاصة مقامات الصَّحابة رضي الله عنهم، وشرحنا لهم بأن الجهة الأخرى من نهر الأردن هي فلسطين السَّليبة الحبيبة.

وبعد أن زرنا الحمَّة –الشُّونة الشَّمالية- ولعبوا في المياه الكبريتية الحارة، صعدنا إلى مدينة إربد، ولمَّا ذهبنا إلى مدينة الألعاب وجدناها مُكتظة، فاقترحتُ عليهم أخذهم إلى الحي الشَّرقي حيث أسكن، فهناك حديقة جميلة مليئة بالألعاب، فوافق المُدير والمعلِّم الآخر،

كانَ سُرور الأطفال بذلك عظيما، وبعد العصر، تقررت عودة التلاميذ إلى بيوتهم في المفرق، وأردتُ الذَّهاب معهم إلى المدرسة للاطمئنان عليهم وبأنهم وصلوا إلى أهاليهم سالمين، غير أن مدير المدرسة والمعلِّم الآخر أخبراني بأن لا ضرورة لذلك، فأنا كنتُ بالقرب مِن بيتي، وأن طريق العودة من المفرق إلى إربد ستكون شاقة. وهكذا ودعتهم راجيا لهم سلامة العودة إلى بيوتهم.

كان لتلك الرِّحلة أثرا إيجابيا كبيرا في نفوس التَّلاميذ وأهاليهم، حتى أن واحدا مِن التَّلاميذ ذكَّرني بها عندما اتصل بي قبل عدة أيام، وقال لي بأنه لا يمكن أن ينسى الرِّعاية والعناية التي أحطناه بها حيث أنه كان أصغر التلاميذ سِنَّا – في الصَّفِ الأول.



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

Add comment