نشر في: 28 December 2017
| Print |

زهرة من رحم العاصفة

عمان – الإسراء نيوز – شذى الخلفات - في تلك الغابة المكتظة بالأشجار الكبيرة التي تتباهى بطولها وكثافة أغصانها وقوة جذورها التي تعد موطناً لكائنات كثيرة وغذاءً لأخرى.  في تلك الغابة تقبع زهرة صغيرة ... غضة... بالكاد جذورها تخترق التربة ...  تلك الزهرة تكافح من أجل حياتها يومياً ، أي نسمة هواء تأرجحها يميناً ويساراً .

ذاك الكفاح الذي تعيشه يومياً لم يكن كافياً بنظر الأشجار من حولها... بل كان شيئاً يدعو للسخرية.  فكيف توضع هذه الزهرة مع الأشجار في نفس عائلة واحدة،  كيف يتم تصنيفها معهن ... كان هذا الأمر يثير جنون الأشجار ليزداد معه حنقهن وكرههن لها.

ولكي يزداد الأمر سوءاً جاءت عاصفة شديدة تطرق أبواب تلك الغابة... ذاك الزائر الغير مرغوب به دائماً ... جعل الرعب يدب في قلوب الأشجار... فما بالكم بشعور زهرتنا الصغيرة؟! 

أخذت تلك العاصفة تضرب الغابة وتخترق الأشجار كما يخترق الفارس المغوار صفوف العدو مخلفاً خلفه الجثث والجرحى، والهواء يتقاذف الأغصان المتكسرة ، ولو لا قوة جذورها الضاربة بعمق في الأرض لطارت تلك الأشجار من مكانها كما طارت أغصانها.

أما زهرتنا الصغيرة فما تظنون حدث لها وهي لا تقارن بالأشجار التي فعلت الرياح بها ما فعلت!؟  لقد حاولت الزهرة المقاومة لكن عبثاً تحاول التمسك بالتربة بواسطة جذورها الغضة...  كالغريق الذي يتشبث بقشة...  فلم تبذل الرياح أي جهد في انتشارها.... مزقت أوراقها وبتلاتها وانتشلتها من مكانها وأخذت تتقاذف ما تبقى منها.

بعد انقضاء العاصفة أخذت كل شجرة تتفقد خسارتها وإحصاء ما خسوته الغابة من أشجار وحيوانات...  لكن لم يلاحظ أي أحد اختفاء الزهرة بل حتى لم يتذكروها. لا أدري أيهما أصعب أن تموت؟  أم أن لا يدرك أحد موتك؟ 

أما العاصفة فقد تابعت طريقها باحثة عن أي شيء لتقتلعه أو تحطمه. وما لبثت أن اصطدمت بالمباني الضخمة للمدينة التي بدورها بعثرت الرياح وأحالتها من عاصفة شديدة إلى نسمة ضعيفة وحررت كل ما أخذته من أغصان وصخور وغيرها.

أما الزهرة فقد ألقت بها الرياح على أطراف أحد الأصرفة... وحيدة... محطمة لم يبقى منها شيء سوى ساقها... بعيدة عن موطنها... وفي هذا العالم الاسمنتي الذي وجدت نفسها فيه... لا حول لها ولا قوة. 

لا شيء يضاهي برودة الاسمنت ليلاً وسخونته نهاراً ... ملقاة هناك ولا أحد يعبأ بها.  تسأل نفسها " إلى متى ستبقى هكذا؟  إلى متى ستتلقى هذه المعاملة هل فقط لأنها ضعيفة؟ لما لم تمت هناك لما ووجدت أصلاً ؟ لما عليها أن تعيش بهذا الضعف؟!  .نظرت متضرعة لرب السماء واستسلمت للسبات.

لكن رب السماء لن يتخلى عنها بعد أن تضرعت له، فقد أرسل لها الحَيا الذي هطل عليها ليجددها،  انتشلت قطرات المطر ساق الزهرة وساعدتها على النهوض،  لم يفعل لها ذلك أي أحد من قبل .

بدأت قطرات بالتجمع حول ساقها معطيةً لها القوة والغذاء ليشتد عودها وقبلت هي هذا العطاء،  فاستجمعت كل ما قواها لتنبت جذورها، لكنها واجهت صعوبة فالاسمنت يحيطها ولا يوجد بقعة تراب تزرع نفسها فيها، " لما لا أنبت في الاسمنت؟! أليس الجود من الموجود ،كم سيكون ذلك صعباً لا أظنه بصعوبة ما مررت به " هكذا خاطبت نفسها.

يوماً بعد يوم تشق جذورها الاسمنت حتى استقرت فيها،  مستعينة بقطرات المطر التي يرسلها الله لها من عندما تحتاجها.  ما أن ثبتت جذورها حتب بدأت بالتركيز على نمو أوراقها وبتلاتها لتغدو زهرة بديعة الجمال يتوقغ المارة ليشاهدوا جمالها مشدوهين بساقها التي اخترقت الاسمنت ليأخذوا صوراً لها. أحدهم التقط صورة لها نشرها مذيع الأخبار معلقاً عليها " هذه الزهرة الصغيرة كانت أصلب من الاسمنت البارد فهل أنت كذلك أيها الانسان"

قد نجد أنفسنا في مكان لا ننتمي أليه وقد نتلقى الظلم والذل بسبب ضعفنا ممن هم يظنون أنهم أقوى وأعلى شأنناً منا ،وقد نستسلم لهم ونتقبل معاملتهم فقد لأننا نظن أنه ليس هناك من نلجأ إليه ليساعدنا وليس هناك مكان أخر نذهب إليه وأنه لا شيء يمكن أن يكون أسوء من ذلك فطالما نحن أحياء فلا بأس بهذا المعاملة ، فيبعث الله لنا عاصفة كعاصفة تلك الغابة ليحطمنا ويكسرنا كي يخبرنا أن هناك أسوء مما نظن وليعلمنا أنه كل قوي هناك من هو أقوى منه، ولينتشلنا من مكاننا ليرمينا في مكان يبدو للوهلة الأولى أنه لا يناسبنا وأنه أسوء بكثير من موطننا فنستسلم فوراً للموت دون حتى أن نحاول المقاومة،  ندرك وقتها أنه ليس لدينا سوى الله لنعود إليه طالبين عونه فلا يردنا خائبين ليضخ القوة في قلوبنا ويجعلنا أقوى مما كنا عليه..

في حياة كل منا عاصفة ستمر بحياته وربما عدة عواصف لكن مهما كانت عنيفة ومهما كانت خسارتنا إلا أنها ضرورية كي تضعنا بمكاننا الصحيح وتمنحنا القوة لتلقي العاصفة التي تليها... ولكي يرجعنا الله إليه في كل مرة نبتعد عنه.



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

Add comment