نشر في: 08 January 2018
| Print |

د. إياد المجالي**: تداعيات الأزمة في إيران

الإسراء نيوز - تابع النظام السياسي الإيراني الحاكم بتياره الديني المحافظ توظيف آليات متزامنة مع حالة عدم الاستقرار التي أفرزتها المواجهات مع الاحتجاجات الشعبية المطلبية اثر تردي الأوضاع المعيشية في إيران, بإجراءات جاءت متأخرة إلى حد ما,  لكن الأحداث  التي طغت على المشهد السياسي في العديد من المدن الإيرانية خلال الأيام العشر الماضية, قد رافقها أعمال شغب وعنف واشتباكات بين المحتجين من أغلب فئات المجتمع الإيراني من جهة وقوات الأمن من جهة أخرى, أسفر عنها العديد من الإصابات والقتلى من كلا الطرفين واعتقال قوات الأمن لعدد من المشاركين فيها, كما أتلفت نتيجتها مرافق عامة وممتلكات خاصة جراء حالة الفوضى والاضطراب في أحياء أكثر من عشرين مدينة إيرانية شهدت تلك المسيرات والاحتجاجات أدت إلى تعطل الحياة العامة فيها, عقبها امتداد شمل اغلب الأقاليم الإيرانية وتوسع نطاقها الجغرافي بأعداد متواضعة من الشعب الإيراني.

    مقابل هذه الوقائع والأحداث سعى النظام السياسي الإيراني الحاكم إلى تجاوز حالة الاختلال في التوازن الناتجة عن الصدمة التي فرضتها  المتغيرات والتطورات السياسية على الساحة الإيرانية, مما دفعه إلى إتباع العديد من الإجراءات التي جمعت بين التصعيد والتهدئة في آن واحد, في مشهد يرقبه المجتمع الدولي بحذر شديد يتلمس تداعيات الأحداث في إيران على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي, بعد أن اكتسبت هذه التطورات زخماً سياسياً إقليمياً ودولياً, دعت على أثرها الولايات المتحدة الأمريكية إلى اجتماع طارئ لمجلس الأمن, عقد الاجتماع كورقة ضغط دولية على إيران, مارست روسيا خلاله موقفا داعما للنظام السياسي الإيراني الحاكم لاعتبارات الشراكة الجيواستراتيجية وتابع الأوروبيون بموقف معتدل من الأحداث حتى لا يغامروا برأس المال السياسي والدبلوماسي والاقتصادي الذي تم إنفاقه على إيران في السنوات الماضية ممثلا بالموقف الفرنسي الداعي إلى التهدئة وضبط النفس وحماية حقوق المتظاهرين في التعبير عن الرأي.

     إن حقيقة المشهد السياسي في إيران خلال الأزمة التي تعصف به حاليا وتحليلها, تطلب الإجابة على العديد من التساؤلات, بدءاً من تداعيات هذه الاضطرابات وماهية تحولاتها السياسية والاقتصادية على مستوى الداخل الإيراني أو المجتمع الدولي, إضافة إلى كيفية تفاعل الشعب الإيراني مع هذه التطورات المتسارعة, وتوصيف موقف التيارات الفكرية المحافظة والمتشدده والمؤسسة الدينية الإيرانية تجاه الأحداث والوقائع وما صدر عنها  كردود أفعال لأنها تعد قوى سياسية فاعلة في الساحة الإيرانية وهي ذات رؤى فكرية تدعم النظام السياسي الديني الحاكم في استراتيجيتة, لأنهم في الأغلب يتمسكون بثورتهم وانجازاتها.

    لا شك إن اغلب التحليلات التي عالجت أبعاد الأزمة الإيرانية الحالية قد تناولت الواقع الاقتصادي وتردي الأوضاع المعيشية للمواطن الإيراني كدافع وسبب لخروج البعض منهم إلى الشوارع بمسيرات احتجاجية مطلبية , وهي للأسف رؤية سطحية لتحليل الواقع, فالحقيقة إن الفهم الدقيق للمعطيات والحكم الموضوعي على مجمل الأحداث تطلب قراءة ميدانية من الداخل الإيراني, خاصة وأن الشعارات السياسية التي بداءت بالظهور في تلك الاحتجاجات رددها المحتجون في اليوم الثاني وما تلاه, تأكد بما لا يجعل مجالاً للشك أن الاضطرابات جاءت نتيجة لسياسات حكومة روحاني التقشفية الداخلية ورفض المحتجين إلى كلف وتبعات السياسة الخارجية للنظام السياسي الديني الحاكم المرتبطة بالمرشد الأعلى المفوض بتطبيق الإستراتيجية الإيرانية في الإقليم, خاصة في جوانب الإنفاق السخي على القوى المسلحة دعماً وتدريباً وتسليحاً في دول الإقليم للصراعات القائمة على أراضيها, لتنفيذ هذه الإستراتيجية في كل من العراق وسوريا واليمن ولبنان وبعض الجيوب الإقليمية لتحقق مصالح سياسية ضمن المشروع الإيراني التوسعي لقيادة المنطقة,  والذي عملت علية حكومات الثورة الإسلامية الإيرانية منذ اليوم الأول لها في السلطة عام 1979م.

      فقد حمل المتظاهرون نظام الحكم في إيران مسؤولية الحصار الذي عانت منه البلاد لأربعة عقود مضت, ومسؤولية عدم حصول نتائج ملموسة في مستوى الحياة من تبعات توقيع إيران على الخطة المشتركة المعروفة باسم الاتفاق النووي الإيراني مع المجتمع الدولي, بل خرجت أصوات المتظاهرين لتؤكد أن عائدات هذا الاتفاق لم تنفق على موازنة الدولة لرفع مستوى الخدمات والحياة في البلاد, بل غذت الحكومة خططها ومشروعها السياسي التوسعي باهظ الكلفة في دول الجوار من خلال إدارة أنماط الصراع الإقليمي, مما احدث خلل واضحاً في اقتصاديات الدولة دفع الحكومة برئاسة روحاني إلى اتخاذ قرارات تمس معيشة المواطن الإيراني, ارتفع على إثرها نسب الفقر والبطالة بين فئات الشباب الإيراني, وأدت إلى تراكم سياسات اقتصادية غير موضوعية مغامرة إلى حد ما, رغم ثراء الدولة واحتياطاتها النفطية والكم الهائل من مواردها الاقتصادية .

     اعتقد جازماً أن هذه الوقائع والأحداث قد مست عمق النظام السياسي الإيراني, خاصة وأنها انطلقت من مدينة مشهد المقدسة عاصمة إقليم خراسان معقل اغلب رجال الدين الذين يحكمون السلطة في البلاد على رأسهم المرشد الأعلى ـــ الولي الفقيه علي خامنئي.

        أن التعامل مع حقائق موضوعية مهمة حول المشهد السياسي منذ الساعات الأولى لاندلاع موجة الاحتجاج في إيران وتطور وقائعها, يؤكد استنتاجنا ورؤيتنا التي نتناولها في تحليل الحدث بأن فعل النظام السياسي الحاكم هو الهروب إلى الأمام واحتواء الأزمة سياسياً وإتباع إجراءات التهدئة في جوانب معالجة الأزمة وإطلاق الوعود بإجراء إصلاحات اقتصادية لتحسين مستوى المعيشة لدى المواطن الإيراني, وإعادة النظر بالموازنة والاستجابة لمطالب الجماهير في جانبها الاقتصادي والاجتماعي, حيث ألقى الرئيس حسن روحاني خطاباً  وجهه للشعب الإيراني تضمن اعترافا بدوافع المحتجين للخروج للشوارع وحمل في نفس السياق تهديداً صريحا باتخاذ إجراءات حاسمة بحق مثيري الشغب والعنف من المشاركين في الاحتجاجات والمسيرات الشعبية.

     في مقابل هذه الإجراءات التي سعت إلى التهدئة وامتصاص غضب الشارع من قبل النظام السياسي الحاكم في إيران , فقد اتبع النظام بالتوازي إجراءات مشددة لضبط النظام العام, نفذتها اذرع النظام ومؤسساته الأمنية من خلال اتخاذ التدابير اللازمة لإنهاء حالة الاحتقان والاحتجاج في الشارع الإيراني, تضمنتها تصريحات كبار رجال الدولة حيث دخلت في إطار قمع المظاهرات والقضاء على كافة مظاهرها باستخدام القنابل المسيلة للدموع وخراطيم المياه والهراوات لتفريق المتظاهرين, وتطويق الاحتجاجات بقوى الأمن خاصة بعد أن تطورت الوقائع في اغلب مشاهدها بتخريب المنشآت العامة والملكيات الخاصة, وسقوط عدد من القتلى والإصابات بين الطرفين .

     أما في جانب السيناريوهات المحتملة للاحتجاجات الشعبية والأزمة الإيرانية القائمة, فإن المؤشرات تظهر سيناريو انتهاء مظاهر الاحتجاج الذي يمثل اكبر حركة احتجاجية مجتمعية عاشتها إيران منذ الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979م, بعد إن تعامل النظام معها بسياسة مزدوجة من حيث الاحتواء والانحناء للعاصفة بالتهدئة والقمع يرافقها تعديل السياسات التقشفية التي تضمنتها إجراءات حكومة حسن روحاني ورفض البرلمان الإيراني لموازنة العام الحالي التي طرحتها الحكومة على المجلس 19/12/2017م, في حين يستبعد سيناريو نجاح المتظاهرين الإيرانيين في إسقاط النظام السياسي الحاكم, رغم اتساع نطاق التظاهرات على المستوى الكمي والنوعي على نطاق 70 محافظة, بالإضافة إلى تزايد نشاط البيئة الدولية المناهضة للنظام الإيراني الداعي إلى الانصياع لمطالب الشعب وعدم استخدام القمع للمتظاهرين, في حين ظل سيناريو انقلاب الحرس الثوري الإيراني على نظام الجمهورية الإيرانية وتعطيل الدستور وتشكيل مجلس رئاسي خاص,  قائماً خلال الأيام الماضية وخلال تطور الأحداث, إلا انه يبدوا سيناريو ضعيفاً لاعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية تمس الدولة الإيرانية وإستراتيجيتها في الإقليم.

 **باحث في العلاقات الدولية والشؤون الإيرانية



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

Add comment