نشر في: 14 November 2017
| Print |

د.غالب القرالة: عدم الفهم لمعنى بعض الكلمات في الأدب الجاهلي

الإسراء نيوز – خاص - يعاني الكثير من باحثي الادب العربي في العصر الجاهلي ومن المهتمين بالادب العربي من مشكلة عدم الفهم لبعض الالفاظ التي ترد خصوصا في الابيات الشعرية للشعراء في العصر الجاهلي لاختلافها في المعني من مفهوم الباحثين والمهتمين بالادب الجاهلي في الوقت الحاضر لاختلاف بعض الكلمات في المضمون عما ورد في لغتنا العربية وهي لغة القرآن الكريم الا بالرجوع الى المعاجم والقواميس العربية للبحث عن معاني بعض الكلمات ( ومثال على ذلك ) قول :

وهي مريرة كمر العنصل

والمر هنا معروف هو المرار او الحنظل وغيره من الاسماء المعروفة لدى الشعوب العربية واثناء الرجوع الى القاموس او المعجم نجد ان معناها هو (البصل )

ولا بد من البحث هنا عن الفائدة في طبيعة البيئة الثقافية التي انتجت الادب الجاهلي :

فيما يسعف على فهم افضل لطبيعة هذا الادب وولادته الفنية والاجتماعية مع تقديم صورة عامة عن طبيعة الثقافة العربية قبل الاسلام وهي الثقافة التي شكلت الاساس الذي نشات علية الثقافة العربية فيما بعد حين تطورت تطورا كبيرا وجديدا بظهور الاسلام

ويبدو ان مؤرخي المسلمين –بقصد او بغير قصد من جانبهم – قد مالوا الى تجاهل كثير من جوانب ثقافة هذا العصر فلم يهتموا الا بالادب وربما قلنا ان اهتمامهم بهذا الادب لم يتعد النصوص التي قبلوا روايتها حين وجدوها لاتتعارض مع القيم الدينية الجديدة ولم يشذ عن ذلك الا القليل كما سنرى وقد حمل ذلك بعض الباحثين على الشك في طبيعة المروي من الشعر الجاهلي لانهم لم يجدوا فية ما يتوقع الباحث من وصف الحياة الجاهلية من جوانبها المختلفة وفي هذايقول الدكتور طه حسين

كان القدماء مسلمين مخلصين في حب الاسلام فاخضعوا كل شيئ للاسلام وحبهم اياه ولم يعرضوا البحث علمي ولا لفصل من فصول الادب او لون من الوان الفن الا من حيث انه يؤيد الاسلام ويعزه ويعلي كلمته فما لايهم مذهبهم هذا اخذوه وما نافرة انصرفوا عنه انصرافا ويبدواان هذا صحيح الى حد كبير وان كان الدكتور طه حسين قد ذهب الى نهاية الشوط في دعواه فعمم  الشك واطلق الحكم ونفى ثقته نفيا تاما بما يروى من الادب الجاهلي وفي هذا من المبالغة الظالمة ما فية وانما نريد ان نقول هنا ان التعرف على ملامح من طبيعة الثقافة العربية قبل الاسلام ليس بالامر اليسير وقد غاب عنا الكثيرمن مصادرها لظروف تاريخية مختلفة منها تحرج علماء المسلمين عن رواية مالا يتفق والاسلام من تراث الجاهلين ومن جهة اخرى فليس من الصواب ان نوافق هؤلاء الدارسين الذين يريدون ان يقدموا لنا صورة مظلمة شديدة الظلام عن ثقافة العصر الجاهلي فليس من الممكن ان ينشاء هذا الفن الادبي العالي وهو الشعرالجاهلي دون ان يكون هذا المجتمع قد بلغ درجة معينة من الثقافة الراقية الى حد ما كذلك ماتروية بعض الكتب القديمة احيانا عن هذا العصر قد يتعارض مع هذا التصور القائم له في كثير من الكتب الاسلامية الاخرى وهكذا سقط العصر الجاهلي بين الشك المطلق الذي يقول به الدكتور طه حسين ومن نهج منهجه وبين التجهيل المطلق الذي نادى بها كثير من علماء المسلمين ومن المؤكد ان القران الكريم  يصور هذه الحياة الجاهلية تصويرا اصدق واقرب الى واقعها الفعلي من تصوير الادب الجاهلي لها

 التلاعب اللفظي:

والأساس فيه هو محاولة المتندر أن يكسب الألفاظ معاني غير معانيها الواضحة. فإذا ما اكتشف السامع أن ما يقصده المتكلم هو هذا المعنى الغريب يسخر من فهمه الأول لمعنى الجملة، فيضحك، ويكون التلاعب اللفظي: باختصار الفكرة، أو بالإضافة إليها بحيث تخرجها عن معناها الأصلي أو بتبديل الكلمات المكونة لها، أو بنحت بعض ألفاظها أو بتقسيمها، أو بالعبث باعجامها واود ان اورد بعض الابيات الشعرية والنثرالادبي والخطابة  التي تحتوي على بعض الكلمات غير المفهومة من قبل المهتمين والباحثين بالادب الجاهلي والتي يعاني منها الكثير من المهتمين بدراسة الادب الجاهلي كقول :

من أنت أيها الجبار العنيد؟ لمن ضؤل شأنه.

قال  ابن رشق القيرواني وفي نفسه يقول :

تبديت الى الناس           فقالوا انت ابليس

رأوا شيخا قبيح الوجه       في طمرية تدئيس

ورجلا فعلها في الارض   ماتفعله القوس

قال حسان بن ثابت :

بني ام المؤمنين الم يرعكم       وانتم من نوائب اهل نجد

تهكم عامر بابي البراء            ليخفره وما خطا كعمد

وتهكم فلان على ما لايعنيه

 اي اقتحم عليه

وتهكم علينا

اي تعدى

وفي هذا الصدد يقول:

تهكم عمرو على جارنا          والقى عليه له كلكلا

وقول:

والنظر بارق لاغشا لمهاضيب

يلي راعده يضرب لقاع ويسيل

يازين حبك مابه شك ولاتجريب

منساك كود انسى حلو التعاليل

وقد روى عن ابراهيم النظام في كلام له كثير بعدد خصال كلب من شكل كلاب الرعاء فكان اخلا كلامه قوله :

ان كنت ستع فاذهب مع الستاع وعليك بالبراري والفياض

وان كنت بهيمة فاسكت عنا سكوت البهائم

وقول للجاحظ  في قضية العنصر الذاتي في رؤية الالوان قال :

وخبرني عن لون ذنب الطاؤوس ماهو اتقول انه لاحقيقة له وانما يتلون بقدر المقابلة ؟

او تقول :

ان هناك لونا بعينه والباقي يحتل

وقال في قضية الصور الثابتة في المرآة :

وما تلك الصورة الثابتة في المرآة ؟

اعرض او جوهر ؟

ام شيئ وحقيقة لن تخيل ؟

والذي ترى اهو وجهك او غير وجهك ؟

فان كان عرضا فما الذي ولده وما وجبه والوجه لم يماسه ولم يعمل فيه ؟

وهل ابطلت تلك الصورة المرئية صورة مكانها في المرآة ؟

ولم انت لست تراه في نفس صفحة المرآة ولم وكأنك تراها في الهواء خلف جوفها )

وهل ابطل ذلك اللون الذي هو مثال كونك لون المرآة ؟

فان لم يكن ابطله فهناك اذا صورتان في جسم واحد او لونا واحد في جوهر واحد ؟

وان كان قد ابطل لون الجديد فكيف يعمل فيه وحيزه ؟

وهو لامماس ولا فيصل ولا مصادم وسواء ذكرنا صفيحة الحديد ام ما خلفها من الهواء وقد قدامها من الفرجة وكل ذلك جسم ذو لون فان اعتللت بالشعاع الفاصل والشعاع يخالف في الحس وكذلك للحساس وكذلك المحسوس وكيف نرى المخالف وكيف والشعاع لون وبياض والنفس الحساسة لاتدرك بشيئ من الحواس )

وجمع الثعالبي في كتابه "الكناية والتعريض" طائفة من الأمثلة، كذلك الذي دار بين معاوية بن أبي سفيان والأحنف بن قيس، إذ سأل الأول الثاني قائلا:

ما الشيء الملفف في البجاد؟

فقال الأحنف: هو السخينة يا أمير المؤمنين !!

وقد أراد معاوية قول الشاعر:

إذا ما مات ميت من تميم * فسرك أن تعيش فجيء بزاد

بخبزٍ أو بتمر أو بسمن * أو الشيء الملفف في البجاد

وأراد الأحنف بقوله :

السخينة، أن قريشا يأكلونها ويعيرون بها وهي أغلظ من الحساء وأرق من العصيدة وإنما تؤكل في كلب الزمان، وشدة الدهر، وقد سموا قريشا سخينة تعييرا لهم بذلك.

وكان عبد الأعلى بن عبد الرحمن الأموي عتب على بعض ولد الحارث فقال له معرضا بما قال حسان:

كما نيط خلف * الراكب القدح الفرد

فقال:

إخال بالعم وبالجد * مفتخرا بالقدح الفرد

الهج بحسان وأشعاره * فإنها أدعى إلى المجد

وساير شريك بن عبد الله النميري يزيد بن هبيرة الفزازي فبرزت بغلة شريك، فقال له يزيد: غض من لجامها !

فقال: إنها مكتوبة أصلح الله الأمير!!

فضحك ، وقال :

ما ذهبت حيث أردت.

وإنما عرض بقوله :

(غض من لجامها)

ان اللفظ واحد لا يتبدل وفي تكرير للالفاظ كذلك في جمل بعينها ليوحي الينا بتتبعه لكل الحركات قال في القصة نفسها :

( ثم عاد الى مؤقه باشد من مرته الاولى فتنحى عنه بقدر ما سكنت حركته ثم عاد الى موضعه فتنحى عنه بقدر ما رد يده وسكنت حركته ثم عاد الى موضعه ثم الجاه الى ان دب عن وجهه بطرف كمه ثم الجاه الى ان تابع بين ذلك )

والتكرار هنا هو ثمرة من ثمار الميل الى التدقيق والتقصي والوضوح الذي حث عليه لان تركه مضر وتسديدة وثمره فرة

وهذا ما جعله يحمل على كتب استاذه الاخفش لما فيها من صعوبة وغموض كما حمل على كل متكلفا ويظهر ذلك في قوله

(وقلت لابي الحسن الاخفش انت اعلم الناس بالنحو فلم لاتجعل كتبك مفهومة كلها ؟

وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم اخرها ؟

وما بالك تقدم بعض الغويص وتؤخر بعض المفهوم ؟

قال :

انا رجل لم اضع كتبي هذه لله وليست هي من كتب الدين ولو وضعتها هذه الموضع الذي تدعو اليه قلت حاجاتهم الي فيها وانما كانت غايتي المنالة فانا اضع بعضها هذا الموضع المفهوم لتبرءهم حلاوة ما فهموا الى التماس ما لم يفهموا وانما قد كسبت في هذا التدبير اذ كنت الى التكسب ذهبت ولكن مابال ابراهيم النظام وفلان وفلان يكتبون الكتب لله بزعمهم ثم ياخذها مثلى في موافقته وحسن نظره وشدة عنايته ولا يفهم اكثرها).



يسمح بنقل المادة أو جزء منها بشرط ذكر المصدر

Add comment